عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
191
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى « 1 » وسببه دخولها بقليل من الأعمال المقبولة فهي ميسرة لمن يسرها اللّه تعالى عليه . الطبقة الثانية : هي فوق الطبقة الأولى وأعلى منها تسمى جنة الخلد وجنة المكاسب ، والفرق بين جنة المكاسب وجنة المجازاة أن جنة المجازاة بقدر الأعمال فلها مقابلة ، وجنة المكاسب ربح محض لأنها نتائج العقائد والظنون الحسنة باللّه تعالى ، ليس فيها شيء على طريق المجازاة بالأعمال البدنية ، تجلى اللّه على أهل هذه الجنة باسمه البديع ، فظهرت لأهل العقائد الحسنة ما لم يكن يأمله ابتداعا إليها ؛ فباب هذه الجنة مخلوق من العقائد والظنون باللّه والرجاء ، ولا يدخل هذه الجنة إلا من كانت فيه هذه الخصال المذكورات ، ومن لم يكن فيه شيء من هؤلاء لا يدخلها ، وسميت هذه الجنة بجنة المكاسب لأن ما يضادّه وهو الخسران أيضا نتيجة الظنون الرديئة باللّه تعالى ، قال سبحانه وتعالى : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ « 2 » فأهل الظنون الرديئة في نار الخسارة ، وأهل الظنون الحسنة باللّه تعالى هم في جنة المكاسب . الطبقة الثالثة : تسمى جنة المواهب ، وهذه الطبقة أعلى من اللتين قبلها ، لأن مواهب الحق تعالى لا تتناهى ، فيهب لمن لا عمل له ولا عقيدة أكثر ممن له أعمال كثيرة وعقائد وغير ذلك ، رأيت في هذه الجنة من كل ملة أقواما وطائفة من كل جنس من أجناس بني آدم ، حتى أن أهل العقائد وأهل الأعمال إذا أعطاهم اللّه من باب الموهبة ودخلوا هذه الجنة تجلى اللّه على أهلها باسمه الوهاب ، فلا يدخلها أحد إلا بموهبة اللّه تعالى ، وهي الجنة التي قال عليه الصلاة والسلام فيها : « إنها لا يدخلها أحد بعمله ، فقالوا له : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ فقال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » « 3 » هذه الجنة أكثر الجنان وأوسعها ، وهي سرّ قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ حتى أنه لم يبق أحد من النوع الإنساني إلا وجوزت الحقائق من حيث الإمكان العقلي الوهمي له دخولها ، إن كان له نصيب من هذه الجنة في يوم ما من أيام اللّه تعالى ، هذا الذي جوّزته الحقائق من حيث الإمكان الوهمي . وأما ما شاهدناه فإنا وجدنا في هذه الجنة من كل نوع من أنواع أهل الملل والنحل
--> ( 1 ) آية ( 5 : 7 ) سورة الليل . ( 2 ) آية ( 23 ) سورة الصافات . ( 3 ) سبق تخريجه .